ابن تيميه
25
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
« لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد » . فهذا السائل من عرفه أن لفظ زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم يتناول من أتى المسجد وكان قصده القبر ومن أتاه وقصده المسجد ، وهذا عرف عامة الناس المتأخرين يسمون هذا كله زيارة لقبره ، ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، بل تغير الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به ، وهو صلى اللّه عليه وسلّم لا يشرع للقريب من زيارته ما نهى عنه المسافر الذي يشدّ الرحل بخلاف غيره ، فلا يقال : إن زيارته بلا شدّ رحل مشروعة ومع شد الرحل منهي عنها ، كما يقال في سائر المشاهد وفي قبور الشهداء وغيرهم من أموات المسلمين ، إذ لم يشرع للمقيمين بالمدينة من زيارته ما ينهى عنها المسافرون ، بل جميع الأمة مشتركون فيما يؤمرون به من حقوقه حيث كانوا ، بل قد قيل : إن الأمر بالعكس ، وإنه يستحب للمسافر من السلام عليه والوقوف على قبره ما لا يستحب لأهل البلد ، وإذا كان لا يمكن إلا العبادة في مسجده ، فهذا مشروع لمن شدّ الرحل ، ومن لم يشده تبقى النية كما ذكر مالك ، وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد قد نص مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة قصدا وفعلا فيكره لهم كلما دخلوا المسجد أو خرجوا منه أن يأتوا القبر . وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم يبلغه عن أحد من السلف ونهى عنها ، وقال : « لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها » . فالذي يقصد مجرد القبر ولا يقصد المسجد خالف الحديث والإجماع ، فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب وأن الصلاة فيه بألف صلاة « 1 » . واتّفق المسلمون على ذلك وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام . وقال بعضهم إنه أفضل من المسجد الحرام ، ومسجده يستحب السفر إليه ، والصلاة فيه مفضّلة لخصوص كونه مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم الذي بناه هو وأصحابه وكان يصلّي فيه هو وأصحابه ، فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قبل أن يدفن في حجرة عائشة ، وكذلك هي ثابتة بعد موته ، ليست فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر ، كما أن المسجد الحرام مفضّل لا لأجل قبر ؛ وكذلك المسجد الأقصى مفضّل لا لأجل قبر ؛ فكيف لا يكون مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم مفضّل لا لأجل قبر ؟ فمن ظنّ أن فضيلته لأجل القبر أو أنه إنما يستحب السفر إليه لأجل القبر ، فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لإجماع المسلمين ، ولما علم من سنة سيد المرسلين صلى اللّه عليه وسلّم ، وهذا تنقّص بالرسول وبقوله ودينه ، مكذب له فيما قاله ، مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه ، كما أن النصارى يكذبون كثيرا مما أخبر به المسيح عن ربه عزّ وجلّ ودينه ، ويظنون أن ذلك تعظيما له ولدينه ، وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا
--> ( 1 ) انظر « صحيح مسلم » رقم ( 1394 ) .